ابن سبعين
106
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
بالقيام ، ولا بالانصراف ، فإني أراكم أمامي ومن خلفي . ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، قالوا : وما رأيت يا رسول اللّه ، قال : رأيت الجنة والنار « 1 » » . رؤيته عليه السّلام لأصحابه من وراء ظهره رؤية حقيقية ، ثم الرؤية المذكورة في هذه الأحاديث مذهب الجمهور ، وهو الصواب المختار أنها على ظاهرها ، وأنها رؤية حقيقية ، وإدراك حقيقيّ ، اختص به صلّى اللّه عليه وسلّم ، انخرقت له فيه العادة ، وعلى هذا عمل البخاري ، فإنه أخرج هذا الحديث في علامات النبوة ، وكذا نقل عن أحمد وغيره خلافا لمن حمل الرؤية فيه على الرؤية القلبية ، وهي رؤية البصيرة ، وإن صح أو على العلم إما بوحي بأن يوحى إليه كيفية فعلهم ، وإما بإلهام بأن يلهمه اللّه تعالى حالتهم وهيأتهم ، فإن ذلك بخلاف ما تظاهرت عليه الظواهر التي لا يحيلها عقل ، ولا يعارضها شرع ، ولو كان المراد العلم لم يقيد بقوله : ( من وراء ظهري ) . ومنهم من حملها على أنه كان يلتفت يمينا وشمالا التفاتا يسيرا ، لا يلوي فيه عنقه ، يدرك به حال من وراءه ، ولا يخفى ما فيه من التكلف والعدول عن الظاهر بلا موجب مع ما فيه من ارتكاب ما لا يليق بالمقام ، وقد أنكره أحمد على قائله ، والظاهر أنها كانت من غير عضو ولا مقابلة ، ولا شيء مما جرت به العادة بناء على مذهب أهل الحق ، وهم أهل السّنة من أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص ، ولا مقابلة ، ولا شعاع ، ولا تتوقف على ضوء ، ولا على قرب ، كما لا تتوقف على الآلة المخصوصة التي هي العين ، وإنما هذه أمور عادية يجوز عقلا حصول الإدراك مع عدمها ، ولذا حكموا بجواز رؤية اللّه تعالى في الدار الآخرة ، خلافا لأهل البدع بوقوفهم مع العادة . وجوز بعضهم كونها برؤية عينية ، وإنه انخرقت له فيهما العادة أيضا ، وصحّح آخرون كونها بعين خلف ظهره يرى بها من ورائه ، لا يحجبها الثياب ولا غيرها ، وبعض المتكلمين أن تكون بإدراك خلق له في القفا أعم من كونه في بنية أم لا أخذا من قوله في بعض الروايات : « إني لأبصار من قفايا كما أبصر من بين يدي » .
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 320 ) .